أحمد بن محمد المقري التلمساني
178
نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب
الصالح أبي عبد اللّه المقري خار اللّه تعالى لنا وله ، وبلغ الجميع من فضله العميم أمله ، جوابا عمّا صدر عن مثابتكم فيه من الإشارة الممتثلة ، والمآرب المعملة ، والقضايا غير المهملة ، نصادركم بالشفاعة التي مثلها بأبوابكم لا يردّ ، وظمآها عن منهل قبولكم لا تحلّا « 1 » ولا تصدّ ، حسبما سنّه الأب الكريم والجدّ ، والقبيل الذي وضح منه في المكارم الرسم والحدّ . ولم نصدر الخطاب حتى ظهر لنا من أحواله صدق المخيّلة ، وتبلّج صبح الزهادة والفضيلة ، وجود النفس الشحيحة - بالعرض الأدنى - البخيلة ، وظهر تخلّيه عن هذه الدار ، واختلاطه باللفيف والغمار ، وإقباله على ما يعني مثله من صلة الأوراد ومداومة الاستغفار . وكنّا لما تعرّفنا إقامته بمالقة لهذا الغرض الذي شهره ، والفضل الذي أبرزه للعيان وأظهره ، أمرنا أن يعتنى بأحواله ، ويعان على فراغ باله ، ويجرى عليه سيب « 2 » من ديوان الأعشار الشرعية وصريح ماله ، وقلنا أما « 3 » أتاك من غير مسألة مستند صحيح لاستدلاله ، ففرّ من مالقة على ما تعرّفنا لهذا السبب ، وقعد بحضرتنا مستور المنتمى والمنتسب ، وسكن بالمدرسة بعض الأماكن المعدّة لسكنى المتّسمين بالخير والمحترفين ببضاعة الطلب ، بحيث لم يتعرّف وروده ووصوله إلّا ممّن لا يؤبه بتعريفه ، ولم تتحقّق زوائده وأصوله لقلّة تصريفه . ثم تلاحق إرسالكم الجلّة فوجبت حينئذ الشفاعة ، وعرضت على سوق الحلم والفضل من الاستلطاف والاستعطاف البضاعة ، وقررنا ما تحقّقناه من أمره ، وانقباضه عن زيد الخلق وعمره ، واستقباله الوجهة التي من ولّى وجهه شطرها فقد آثر أثيرا ، ومن ابتاعها بمتاع الدنيا فقد نال فضلا كبيرا وخيرا كثيرا ، وسألنا منكم أن تبيحوه « 4 » ذلك الغرض الذي رماه بعزمه ، وقصر عليه أقصى همّه ، فما أخلق مقامكم أن يفوز منه طالب الدنيا بسهمه ، ويحصل منه طالب الآخرة على حظّه الباقي وقسمه ، ويتوسّل الزاهد بزهده والعالم بعلمه ، ويعوّل البريء على فضله ويثق المذنب بحلمه . فوصل الجواب الكريم بمجرّد الأمان وهو أرب من آراب « 5 » ، وفائدة من جراب ، ووجه من وجوه إعراب ، فرأينا أن المطل بعد جفاء ، والإعادة ليس يثقلها خفاء ، ولمجدكم بما ضمّنا عنه وفاء ، وبادرنا الآن إلى العزم عليه في ارتحاله ، وأن يكون الانتقال عن رضا منه من صفة حاله ، وأن يقتضي له ثمرة المقصد ، ويبلغ طيّة الإسعاف في الطريق إن قصد « 6 » ، إذ كان الأمان لمثله ممّن تعلّق بجناب اللّه من مثلكم حاصلا ، والدين المتين بين نفسه وبين المخافة فاصلا ، وطالب كيمياء السعادة بإعانتكم واصلا . ولمّا مدّت اليد في تسويغ حالة هديكم عليها أبدا يحرّض ، وعلمكم يصرّح
--> ( 1 ) في أ « لا تجلى » ولا تحلأ : لا تمنع ولا تصد . ( 2 ) السيب : العطاء . ( 3 ) في ب « وقلنا ما أتاك » . ( 4 ) في ب « أن تبيحوا له » . ( 5 ) الآراب : جمع أرب ، وهو المطلب والبغية . ( 6 ) في ب « الطريق الأقصد » .